الدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك
رأى رئيس مجلس الوزراء اللبناني تمّام سلام مساء اليوم كلمة لبنان في الدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك ان الحل الافضل لمشكلة اللاجئين والأقل كلفة على سوريا وعلى الدول المجاورة والعالم، هو الذهاب مباشرة نحو المأساة ومعالجتها من أصلها". ودعا الأسرة الدولية، وبخاصة جميع القوى المؤثرة في العالم، إلى الخروج من حالة الانتظار أو التردد، وإلى وقف التقاتل بالدم السوري وعلى الأرض السورية، والمسارعة إلى وقف المذبحة الدائرة هناك، عبر إرساء حل سياسي يضمن وحدة البلاد واستقلالها وسلامة اراضيها ويلبي تطلعات الشعب السوري إلى حياة حرة كريمة. 
وهذا نصها: "السيد الرئيس، يسرني بداية، أن أهنئكم بمناسبة ترؤسكم أعمال الدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة.
وأغتنم هذه المناسبة لأشكر السيد SAM KUTESA وزير خارجية أوغندا السابق، على الجهود التي بذلها خلال ترؤسه أعمال الدورة التاسعة والستين للجمعية العامة. وأود في الذكرى السبعين لتأسيس هيئة الأمم المتحدة، التي كان لبلدي شرف المساهمة في وضع ميثاقها، أن أؤكد التزام لبنان القيام بدوره كاملا، كعضو فاعل في الأسرة الدولية لتحقيق المقاصد النبيلة التي أجمعت عليها الأمم، وفي مقدمها حفظ الأمن والسلم الدوليين وحق الشعوب في تقرير مصيرها وإحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية لجميع البشر. السيد الرئيس، نتحدث عن الحقوق الاساسية للبشر، وفي بلادنا يضيق هذا المفهوم يوما بعد يوم تحت وطأة الحروب .. وينحسر أمام زحف الفكر الظلامي المتستر برداء ديني.. ويزول أمام همجية الاستيطان الذي تمارسه دولة إسرائيل، محاولة التغطي بثوب ديموقراطي عصري.أمام أعين العالم أجمع، تتفتت الأوطان في منطقتنا.. ويترك الملايين بيوتهم نحو المجهول. هذا "إيلان".. الطفل إبن الاعوام الثلاثة، الذي شاهده العالم في مطلع هذا الشهر مستغرقا في نومه الأبدي بعدما لفظه البحر.. إنه يختصر ما آلت اليه الحقوق الاساسية للبشر في منطقتنا... صورته هي حكاية شعب معذب.. هائم في البحار..مكدس على أرصفة المدن وفي محطات القطارات، في انتظار إذن أو تأشيرة أو وجبة طعام.... إنها حكاية خرجت من إي إطار سياسي وعسكري وقانوني، لتصبح سؤالا كبيرا يتعلق بحاضر الانسانية ومستقبلها... لقد تابعنا الجهود التي بذلتها دول أوروبية، لاستيعاب أعداد إضافية من اللاجئين على أراضيها، وهي جهود تستمد جذورها من إرث ثقافي وحضاري، وتجارب مريرة في الحروب وويلاتها. لكننا نرى، أن الحل الأفضل للمشكلة والأقل كلفة على سوريا وعلى الدول المجاورة والعالم، هو الذهاب مباشرة نحو المأساة ومعالجتها من أصلها. إن لبنان يجدد الدعوة الى الأسرة الدولية، وبخاصة جميع القوى المؤثرة في العالم، إلى الخروج من حالة الانتظار أو التردد، وإلى وقف التقاتل بالدم السوري وعلى الأرض السورية، والمسارعة إلى وقف المذبحة الدائرة هناك، عبر إرساء حل سياسي يضمن وحدة البلاد واستقلالها وسلامة اراضيها ويلبي تطلعات الشعب السوري إلى حياة حرة كريمة. السيد الرئيس نطلق هذا النداء، ليس فقط بسبب روابط الجوار والقرابة والتاريخ والمصالح المشتركة بيننا وبين الشعب السوري الشقيق، بل لأن في إنهاء الأزمة السورية أيضا... مصلحة أكيدة للبنان الرازح تحت العبء الهائل للنزوح، الذي وصفته الأمم المتحدة نفسها بأنه "كارثة وطنية". وإذا كانت أوروبا، بامكاناتها الهائلة ورحابتها الانسانية، قد ارتبكت أمام آلاف النازحين الذين حلوا في مدنها على حين غرة، فإن لبنان الضيق المساحة والقليل القدرات... يستضيف منذ أربع سنوات مليون ونصف مليون نازح سوري، أي ما يقارب ثلث عدد سكانه. لقد استنزفت البنى الحكومية والمجتمعات المضيفة في لبنان إلى أقصى الحدود، في وقت تتراجع المساعدات الدولية باطراد بسبب ما نسمعه عن "تعب المانحين". إن لبنان، المتمسك بالتزاماته الدولية، يكرر النداء إلى الدول المانحة للوفاء بتعهداتها، لا بل إلى مضاعفة مساهماتها المالية، وتقديم المساعدات المباشرة للمؤسسات الحكومية وللمجتمعات اللبنانية المضيفة، وذلك طبقا لخطة الاستجابة التي أطلقها لبنان بالتعاون مع الأمم المتحدة في كانون الأول الماضي. إننا نشدد على مبدأ المسؤولية المشتركة وتقاسم الأعباء بين الدول، وعلى أهمية إقامة أماكن آمنة او مناطق عازلة للاجئين في سوريا... أو مراكز تجمع لهم على الحدود. 
السيد الرئيس إن مشكلة النازحين هي فقط وجه واحد من التداعيات السلبية العديدة التي تلقاها لبنان... من جراء الحرب الدائرة في جواره. ولعل أخطر التداعيات كان الارهاب الذي دفعنا أثمانا كبيرة في التصدي له. ولا يخفى عليكم أن عددا من أبنائنا العسكريين محتجز لدى الجماعات الارهابية منذ أكثر من عام، ومازلنا نبذل كل الجهود لتحريرهم. لقد نجحنا... بقرار سياسي حاسم وعمل أمني فاعل، في التصدي لهذه الآفة. وأثبت شعبنا للعالم أن لبنان ليس بيئة حاضنة للارهاب الذي يعبث بعدد من دول منطقتنا. إن المسؤوليات المتزايدة الملقاة على عاتق جيشنا وقوانا الأمنية في المعركة مع الإرهاب، زادتنا إصرارا على تعزيز هذه القوات... كونها الركيزة الاساسية للأمن والاستقرار والسلم الأهلي في البلاد. إن لبنان، يجدد التزامه محاربة الارهاب بمختلف أشكاله، ويشدد على ضرورة معالجة جذوره، ويؤكد استعداده لأي تعاون في إطار الجهود الدولية التي يقوم بها مجلس الأمن لمكافحة الارهاب واجتثاث مصادر تمويله. 
السيد الرئيس إن لبنان، وعلى رغم أزماته السياسية العديدة، وأولها أزمة الشغور في موقع رئاسة الجمهورية، يفخر بكونه نموذجا للتنوع وواحة للتعايش بين أبناء الديانات والطوائف المختلفة، في وقت يموج الشرق الأوسط بأحداث تهدد التنوع الاجتماعي والثقافي والديني. إننا نعتبر أن حماية الكيان اللبناني هي حماية لأبرز ما تبقى من تجارب التعددية في الشرق، وأن تثبيت الاستقرار فيه، بما له من نتائج سياسية وأمنية واجتماعية واقتصادية، يستدعي من الأشقاء والاصدقاء... إبعاد لبنان عن الاستقطاب الاقليمي، ومساعدة اللبنانيين على إنهاء حالة الفراغ والشلل الحالية، وإعادة الانتظام الى عمل المؤسسات الدستورية، من خلال انتخاب رئيس جديد للجمهورية... دون مزيد من التأخير. السيد الرئيس تابعنا باهتمام كبير الاتفاق الاخير بين ايران والدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا. ونحن نأمل أن يفتح هذا التطور صفحة جديدة في العلاقات الدولية... ويشكل بداية لتحسين المناخات الاقليمية، بما ينعكس إيجابا على أوضاعنا السياسية في لبنان. إننا نعتبر أن الشرط الأساس لقيام علاقات طبيعية ناجحة بين بلدان المنطقة... ومفيدة لشعوبها، هو التزام سياسة حسن الجوار... واحترام سيادة الدول... وعدم التدخل في شؤونها الداخلية... أو التلاعب بأمنها واستقرارها. 
السيد الرئيس في الذكرى التاسعة لصدور قرار مجلس الأمن الرقم 1701، يؤكد لبنان التزامه هذا القرار بكافة مندرجاته، إيمانا منه بأن ذلك سوف يثبت قواعد الاستقرار والأمن في الجنوب اللبناني ويساهم في بسط سلطة الدولة على كامل اراضيها. إن لبنان يكرر مطالبته المجتمع الدولي بإلزام اسرائيل وقف خروقاتها للسيادة اللبنانية، والتعاون مع قوات "اليونيفيل"، التي نشكر قائدها وعناصرها وكل الدول المشاركة فيها، لترسيم ما تبقى من الخط الأزرق، والإنسحاب الفوري من منطقة شمال الغجر ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا. 
السيد الرئيس إن لبنان يدين استمرار اسرائيل احتلال الأرض الفلسطينية وحصارها قطاع غزة، ونطالب الاسرة الدولية بحملها على رفع هذا الحصار اللاإنساني... وتأمين الظروف الملائمة لعيش كريم للفلسطينيين.
إننا نستنكر الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة على المسجد الأقصى ونحذر من تبعاتها الخطيرة. كما نحمل اسرائيل مسؤولية فشل الجهود لإيجاد تسوية سلمية للصراع على أساس حل الدولتين، وندعو مجلس الأمن الى اصدار قرار لمعاودة المفاوضات، بهدف إنهاء الاحتلال في اطار زمني محدد، على أساس القرارين 242 و338 ومرجعيات مدريد للسلام ومبادرة السلام العربية. إن لبنان، إذ يرفض توطين اللاجئين على أراضيه، يشدد على حق الفلسطينيين في العودة الى ديارهم، وفق القرارات الدولية. السيد الرئيس شرقنا تعصف فيه الأزمات... وتستحكم فيه علل خطيرة .. ولقد آن الأوان لكي يستنفر العالم قواه وينصرف الى معالجتها بجدية، بدلا من التجاهل والهرب من المسؤولية.
ليس فقط لأن شرقنا هو مهد الرسالات السماوية التي بها تؤمنون.. ومنبع الحرف الأول الذي به تقرأون.. بل لأن واجبكم الإنساني يحتم عليكم ذلك، ولأن مصلحتكم الأكيدة... تقضي باحتواء الانفجار ومنع شظاياه من الوصول الى بيوتكم. إنني أدعو دول العالم الى العودة عن استقالتها من المسؤولية، والخوض في مسار إعادة الأمن والاستقرار إلى منطقتنا، بما يضمن للشعوب حقها في غد أفضل.
مدوا أيديكم، لوقف عداد الموت في سوريا والعراق وليبيا واليمن.. وفي أرض السلام فلسطين.. مدوا أيديكم، لإعادة الألق إلى درة مشرقية إسمها لبنان.. . مدوا أيديكم، ليكون لأطفالنا- كما لأطفالكم - حق الإبحار في أحلامهم المشروعة.. بدل الإبحار في زوارق الذل والموت على شواطىء غريبة.